الشيخ محمد هادي معرفة
318
التمهيد في علوم القرآن ( ط مؤسسة التمهيد )
قال الطبرسي : في الآية قولان : أحدهما : أنّها منسوخة . عن السدّي وقتادة والربيع . وهو المروي عن أبي جعفر وأبي عبداللّه عليهماالسلام . والآخر أنّها غير منسوخة . عن ابن عباس وطاووس . وأنكر الجبائي نسخ هذه الآية لما فيه من إباحة بعض المعاصي . « 1 » قال أبو بصير : سألت أبا عبداللّه عليه السلام عن هذه الآية ؟ فقال : منسوخة . قلت : وما التي نسختها ؟ قال : « اتقوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ » . « 2 » أقول : لا مجال للقول بالنسخ المصطلح في الآية الكريمة - أوّلًا - لأنّ الالتزام بالنسخ هنا ، يستدعي أن تكون الآية الأُولى قد أوجبت تكليفا فوق المستطاع حتى نسخت بالتكليف وفق المستطاع ! وهذا محال على اللّه سبحانه . وثانيا : لا تنافي بين الآيتين كي تكون إحداهما ناسخة للأُخرى ، وذلك لأنّ القدرة شرط عامّ لكلّ تكاليف الشريعة ، والأمر بالتقوى - العمل بالوظائف المقرّرة - في الآية الأُولى متقيّد بالاستطاعة عقلًا وإجماعا بلا شك ، لاسيّما بعد ما ورد في تفسيرها عن رسول اللّه صلى الله عليه وآله وعن الإمام الصادق عليه السلام أن يطاع ولا يعصى « 3 » والإطاعة مشروطة الاستطاعة لا محالة . إذن فالآية الثانية جاءت مفسّرة للآية الأولى وموضّحة لفحواها فكيف تكون ناسخة لها ؟ ! نعم في بادئ البدء قد يفهم من الآية وجوب العمل بجميع التكاليف الواردة في الشريعة كملا . كما أنزلها اللّه وكما أرادها تامّة كاملة استفادة من إضافة التقى إلى اللّه . ولعلّ المسلمين الأوائل هكذا فهموا من الآية الكريمة . غير أنّ النظر الدقيق - وبعد أن حرّر المحقّقون من الفقهاء أُصول أحكام التشريع - يقتضي فهما غير هذا . وأن لافرق بين الآيتين في تقيّد التكليف بالاستطاعة . ولعلّ النسخ في كلام الإمام - على فرض صحّة الرواية - وكذا في كلام السلف يعني إزالة ما كانت تتوهّمه أفهام العامّة في ظاهر الآية الأُولى من التكليف المطلق .
--> ( 1 ) - مجمع البيان ، ج 2 ، ص 482 . ( 2 ) - تفسير العياشي ، ج 1 ، ص 194 . ( 3 ) - الدرّ المنثور ، ج 2 ، ص 59 ؛ والصافي في تفسير القرآن ، ج 1 ، ص 284 .